صدر عن مكتب الزعيم، 15/1/1942
حضرة الرفيق يوسف الغريب،
تسلمت جوابك على كتابي الإداري الأخير وهو مؤرخ في 10 يناير/كانون الثاني الجاري. وللحال وضعت جواباً مسهباً عليه، ولكن رأيت أن أحاول لفت نظرك، في كتابي هذا المختصر إليك، إلى عدة أمور تساعدك على مراجعة نفسك وإدراك أغلاطك.
1 ـ لم أعوّدك لهجة من اللهجات التي يحق لك إبداء ملاحظة بشأنها. فاللهجة الإدارية ـــ النظامية تختلف بطبيعتها عن اللهجة الأدبية والشخصية. وقد ابتدأت اللهجة الإدارية معك لأسباب إدارية، وشدّتها كانت مسببة عن مخالفتك للتعليمات والنظام ونشرك أموراً عن الحزب لم يخوّلك الحزب نشرها.
2 ـ بصفتك أحد أعضاء الحزب السوري القومي لا يحق لك أن تطلب أو تتوقع امتيازاً لك على بقية الأعضاء في المعاملة النظامية. فدخولك الحزب السوري القومي لم يكن بناءً على شروط لك، بمعاملة مخصوصة.
3 ـ بصفك أحد أعضاء الحزب السوري القومي لا يحق لك أن تخاطب الزعيم بلقب «الرفيق» الذي استعملته، وعدت في جوابك المذكور إلى استعماله بعد تنبيهك في كتاب سابق إلى عدم جوازه.
4 ـ بصفتك أحد أعضاء الحزب السوري القومي لا يحق لك، وأنت مرؤوس، أن تبدي تكبّراً على أية لهجة إدارية يستعملها معك رئيسك، ما دامت هذه اللهجة إدارية، ولا يحق لك الاعتراض عليها إلا إذا احتوت إهانة شخصية، وفي هذه الحال تقدّم اعتراضك بتأدب واحترام وتقتصر فيه على ذكر العبارات التي تجد فيها إهانة. ولمّا لم يكن في كتابي الإداري السابق إليك ما يمكن أن يُشتمّ منه رائحة محاولة إهانتك فإبداؤك ملاحظات بشأن لهجته هو تجاوز وتمرد من المرؤوس على الرئيس. وإذا كان في لهجة الكتاب شدة فهي شدة إدارية مبررة بأهمية الغلط ومبلغ المسؤولية.
5 ـ إنّ إنكارك المهمة التي كلّفتك القيام بها لا يستند إلى حجة غير نسيانك. وهي حجة باطلة. ولو لم تكن هنالك مهمة أكيدة لما وجدت داعياً لمطالبتك بإهمالك. وإني أذكّرك، لعلك تتذكر، عند نهاية حديثي إليك في زيارتك لمكتبي كلّفتك العودة إلى مقابلة ناموس السفارة البريطانية، إذا تمكنت من إيجاد فرصة لذلك، لمحادثته في ما كنت قد كلّفت به من قبل، بناءً على إظهار قنصل بريطانية في البرازيل رغبته في إيجاد اتصال بين الزعيم والسفير هنا، وأظهرت لك الكتاب الوارد من البرازيل واسم القنصل الذي كان مكتوباً على ورقة خاصة وطلبت منك نقل اسم القنصل للسفارة وتبليغها رغبته. فأقبلت على الورقة وتمعنت في اسم القنصل الذي قرأته لك، ويترجح عندي أنك نقلته إلى دفتر أو ورقة معك. ثم خرجت واعداً بأنك ستحاول تنفيذ هذا الأمر. والظاهر أنّ اضطرارك أو اختيارك مرافقة أصحابك الذين جئت معهم من كوردبة، إذ تقول في جوابك إنك «كنت مقيداً بهم» جعلك تنسى المهمة، خصوصاً وأنت لم تكن ترجع إلى الفندق إلا «في ساعة متأخرة من الليل» كما تقول في موضع آخر من جوابك المذكور. وأنا لم أشدد عليك في وجوب تنفيذها في الحال، نظراً لقولك لي إنك شبه مقيد مع الذين أتيت معهم، ولذلك ولعدم رغبتي في إحراج مركزك جعلت تكليفي بصورة طلب القيام بمحاولة، أي أن تحاول أنت إيجاد فرصة من وقتك للذهاب إلى السفارة، لأني لم أشأ أن أكلّفك تعطيل أشغالك التي قد تكون ضرورية لك. وهو منتهى التساهل الذي كان في إمكانك إبداؤه في تلك الظروف. وكان في نيتي أن أكلّفك، متى أخبرتني بنتيجة مسعاك، تنفيذ هذه المهمة كتابة من كوردبة. ويترجح عندي أني ذكرت لك إمكانية هذا التنفيذ. ولكنك كنت مستعجلاً. وكنت أنا متأكداً من أنك تعطيني جواباً وبياناً بنتيجة تكليفي إياك مهما كانت، سلبية أو إيجابية. ولكنك لم تفعل. ومهما كان سبب عدم اتصالك بي ثانية، حتى من كوردبة إذا لم يكن تيسر لك ذلك في بوينس آيرس، فإنّ عدم الاتصال مع تأكدي ووثوقي مما كلّفتك إياه لمصلحة القضية القومية يبرران كل لهجة إدارية شديدة، سواء أكنت متعوداً عليها أم غير متعود. فإنّ من خصائص الإدارة النظر إلى الصلاحيات والمسؤوليات والأعمال، ولا يدخل في هذه الخصائص النظر في أمزجة الأشخاص لإعطاء كل منهم اللهجة التي توافق مزاجه. فالإدارة لها لهجة واحدة مع الجميع.
6 ـ ليس صحيحاً قولك إنك أشعرتني بوجود من ينتظرك خارجاً في أول دخولك عليّ. ولكن بعد أن ظهر من نوع الحديث أنه سيمتد استأذنت لتنزل إلى الشارع لصرف من ينتظرك. وهذا كان أول إشعار منك بوجوده فوافقتك.
7 ـ إنّ ما ذكرته في كتابك من حديثي إليك مشوّه وغير مطابق للحقيقة وغير مشتمل على أساس الحديث وغرضه.
8 ـ ليس صحيحاً أني كنت «أتكلم طول المدة وأنت صاغٍ..»، وهذا التعبير غير جائز ولا لائق من مرؤوس إلى أي من رؤسائه، فضلاً عن زعيمه.
9 ـ إنّ قَيّم أحد الفنادق، إذا صلح لإعطاء خبر مستعجل لضرورة قاهرة، لا يصلح ليكون واسطة بين أحد القوميين وزعيمه، ولا للاعتذار باسم ذاك القومي. فالاعتذار يجب أن يكون رأساً. ولو أنك أرسلت ولو كلمة مختصرة من كوردبة تبدي فيها عذرك، وتعتذر حتى عن اضطرارك للالتجاء إلى قَيّم فندق ليبلّغني سفرك لكان ذلك أكثر انطباقاً على الواجب وعلى اللائق. وكان ذلك فتح المجال لمخابرتك وإعطائك توجيهات جديدة وتعليمات في كيفية تنفيذ المهمة التي كنت كلّفتك بها. ولكن سكوتك وإهمالك هذا الواجب جعلني أفضّل اختبار إلى أي حد يمكن اعتمادك في المهمات والواجبات النظامية.
10 ـ إنك مخطىء في نسبتك إلى الزعيم محاولة تأويل عودتك إلى مقر عملك. فالزعيم لم يؤوِّل عودتك ولا برهان عندك على ما تدّعي.
11 ـ لا يجوز لأحد القوميين تفسير النصوص الإدارية على هواه. فحين يكون أحد القوميين تحت حساب إداري عليه إعطاء الأجوبة والبيانات المطلوبة من غير تعليقات تدل على روح مناظرة المراجع الإدارية ومساواة نفسه بها وهو خرق للنظام.
12 ـ قولك إنك ترى موافقاً في هذه الظروف انسحابك من صفوف القوميين ليس له محل في معرض هذه المحاسبة. أما أنك ضنين بكرامتك فهذا أمر لا علاقة له بالحساب الإداري الجاري. والكرامة المعرّضة هي كرامة المنظمة القومية ودستورها. أما حرمة الزعيم فتحفظ بالتزام ما يوجبه النظام نحوه من الاحترام، وبعدم التمرد على سلطته الدستورية وصلاحياته الإدارية.
فإذا راجعت نفسك بناءً على إيضاحات هذه البنود الاثني عشر، وأقمت حق الأمانة للنظام القومي واليمين التي حلفتها، ولم تكن راغباً في التمرد على النظام والقوانين فيكون متوجباً عليك:
1 ـ الاعتذار عن اللهجة التي استعملتها في كتابك الأخير حين مخاطبة الزعيم.
2 ـ الاعتذار عن إساءة تفسير كتاب الزعيم الإداري السابق إليك وإساءة تأويله.
3 ـ الاعتراف بأنك نسيت أو قد تكون نسيت المهمة التي كلّفك الزعيم القيام بها.
4 ـ إظهار استعدادك لقبول التدبير أو الحكم الإداري الذي تصدره المراجع القانونية في أمر تصرّفك في هذا الصدد.
5 ـ الاعتذار عن مخاطبة الزعيم بلفظة «الرفيق» في معاملات رسمية.
6 ـ الاعتراف بتقصيرك في صدد وجوب تبليغ الزعيم بنفسك ما كان من أمر سفرك فيما يتعلق بالمهمة وبطلب الزعيم العودة إلى الاتصال به قبل سفرك.
7 ـ إعترافك بالأغلاط المبينة في البنود الأولى من هذا الكتاب.
8 ـ تأكيد أمانتك ليمينك واستعدادك للعمل بكل قانون أو نظام أو واجب مقرر من سلطة الحزب السوري القومي الدستورية، ولقبول كل لهجة إدارية ولعدم طلب امتيازات خصوصية لا تقبل أن تخاطبك المراجع الإدارية إلا ضمنها أو وفاقاً لها.
فإذا فعلت ذلك فإدارة الحزب السوري القومي لا تحرمك من حق تقديم أي شكوى من إجحاف أو إهانة أو تحقير لشخصك، كواحد من القوميين يسري عليك النظام الذي يسري على جميعهم، ولا من حق اقتراح تعديل اللغة أو اللهجة الإدارية أو غير ذلك لغرض عام. والإدارة القومية تنصفك حتى من نفسها إذا تحقق لها وجود إجحاف أو إهانة أو تحقير، وهي تقبل وتتبنى كل اقتراح ترى فائدته للنظام العام أو المصلحة العامة، أما الرغبات الخصوصية فهذه يجب أن تخضع للنظام والقانون، ولا يجوز أن يخضع النظام والقانون لها.
وأتمنى أن تختار الخضوع للنظام والقوانين، وأن تتخلى عن كل وجهة نظر خصوصية في المسائل الإدارية. ولتحيى سورية .
